الحضارة اليونانية وعصر الاستيطان
تُعد الحضارة اليونانية واحدة من أعظم الحضارات في التاريخ، حيث قدمت الكثير من الإسهامات الفريدة والمبتكرة في مجالات عدة، وكانت الحضارة اليونانية معروفة بتطورها الفكري والفلسفي والعلمي الهائل، ونمّت هذه الحضارة في المنطقة البلقانية في جنوب شرق أوروبا، وشهدت ازدهارًا كبيرًا خلال الفترة بين القرن الثامن قبل الميلاد والقرن السادس قبل الميلاد، وتعتبر الحضارة اليونانية مصدر إلهام للعديد من الثقافات والحضارات التي تلاحقتها لاحقًا.
الأسس والمفاهيم الثقافية للحضارة اليونانية:
تستند الحضارة اليونانية إلى أسس ومفاهيم ثقافية قوية ومميزة، حيث كان للحضارة اليونانية نظرة فريدة للعالم والحياة، حيث ركزت على أهمية العقل والمعرفة والجمال، فكان اليونانيون يؤمنون بأن الإنسان هو مركز الكون وأنه يتمتع بقدرة كبيرة على التفكير والابتكار، وتعد الديمقراطية والمواطنة النشطة والمشاركة الثقافية في الحياة العامة من أبرز الأسس والمفاهيم التي صاغت الحضارة اليونانية.
الفنون والعمارة للحضارة اليونانية:
تشتهر الحضارة اليونانية بفنونها وعمارتها المذهلة التي تعكس المهارة والجمال الفريد لليونانيين، وتتميز الفنون اليونانية بأنها تجمع بين الواقعية والابتكار، وتجسد قيم الجمال والتناسق والتوازن، وكانت الرسومات والنحت والفنون المسرحية من بين أبرز التعبيرات الفنية في الحضارة اليونانية، أما العمارة اليونانية، فكانت تتميز بالأعمدة الضخمة والهياكل المبنية بتقنيات مذهلة، مثل الهياكل الدورية والهياكل الهلامية.
الفلسفة والعلوم في الحضارة اليونانية:
استوحى العالم الحديث الكثير من الفلسفة والعلوم من الحضارة اليونانية، فكان الفلاسفة اليونانيون يتساءلون عن الكثير من الأسئلة الأساسية حول الحياة والوجود والمعرفة، وقدموا نظريات وأفكارًا في مجالات مثل المنطق والأثيكا والسياسة والميتافيزيقا. بالإضافة إلى ذلك، قام اليونانيون بتطوير العديد من العلوم الأساسية، مثل الرياضيات والفيزياء والطب، وكانت هذه الاكتشافات والابتكارات العلمية تمهد الطريق للتقدم الحضاري الذي حققته الحضارة اليونانية.
عصر الاستيطان:
عصر الاستيطان هو فترة تاريخية في اليونان القديمة التي امتدت من القرن الثاني عشر قبل الميلاد حتى القرن الثاني قبل الميلاد، وفي هذه الفترة بدأت اليونان في استعمار أجزاء كثيرة من البحر الأبيض المتوسط والسواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، فكانت هناك حاجة لليونانيين في الحصول على موارد طبيعية وتوسيع سلطتهم وانتزاع الغنائم والثروات من الأراضي الجديدة.
الاستيطان اليوناني:
أثناء عصر الاستيطان، بدأ اليونانيون في إقامة مستوطنات في المناطق الجديدة من جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط، وتم استقطاب اليونانيين إلى هذه المناطق بواسطة الفرص الاقتصادية التي قدمتها تجارة الموارد الطبيعية والمياه والمواقع الاستراتيجية لهذه المستوطنات، وازدهرت المستوطنات اليونانية وأصبحت مراكز تجارة وتعليم وزراعة وصناعة، كما أن هذا الاستيطان ساهم في انتشار الثقافة اليونانية إلى مناطق أخرى.
التجارة والاقتصاد في عصر الاستيطان:
كانت التجارة والاقتصاد من أهم الجوانب في عصر الاستيطان اليوناني، حيث قام اليونانيون بتطوير شبكات تجارية تربط بين المستوطنات اليونانية وبين البلدان المجاورة، وتم تجارة السلع الزراعية والمعادن والمنتجات الصناعية والأعمال اليدوية، وتم استخدام العملة المعدنية بشكل متزايد في النشاط التجاري وتم تطوير أسواق البيع والشراء في المستوطنات اليونانية.
العلاقات الدبلوماسية والسياسية في عصر الاستيطان:
طبق اليونانيون التحكم في المستوطنات الجديدة من خلال تشكيل اتحادات ومجالس إدارية، وتم إقامة علاقات دبلوماسية مع الممالك والإمبراطوريات التي في وقتها، وقام اليونانيون بإقامة مشاريع بناء جيوبوليتيكية وإرسال السفراء للتفاوض وبناء التحالفات، وتم تشكيل اتحادات عسكرية للدفاع عن المستوطنات وتوحيد الصفوف اليونانية في المواجهة مع التهديدات الخارجية.
معنى مستعمرة باللغة اليونانية:
مستعمرة باليونانية تعني (أبويكيا) (apoikia) وتعني هجرة ومن اهم اسباب حركه الاستيطان زيادة عدد سكان بلاد اليونان الاصلية وقله الاراضي الصالحة للزراعة مقارنة بعدد السكان و انتشار التجارة وازدهارها.
حركة الاستيطان:
تعتبر حركة الاستيطان هذه حركة منظمة وهي تختلف عن حركة الهجرات وتكوين المستوطنات اليونانية في عصور الظلام في أسيا الصغرى، فبالرغم من أن القصص والروايات القديمة عن عصر الاستيطان لم تفيد بمعلومات مهمة عن الحياة الاجتماعية أكثر من تركيزها عن الصراع بين القادة وكيفية تأسيس المستعمرة و المستوطنة.
كيف يتم تأسيس المستعمرة؟
يوضحها لنا المؤرخ الجغرافي (استرابون) موضحا مثال لاحد المستوطنات اليونانية في الغرب وهي سيراكوزا التي تأسست في جزيرة صقلية بالرغم من أن المؤرخ عاش بعد عصر الاستيطان بسبعة قرون، فيذكر أن (أرخياس) ابحر من (كورنثه) إلى (سيراكوزا) في نفس الوقت الذي تأسست فيه (ناكسوس) وميجارا في صقلية حيث ذهب القائد موسيكلليوس وأرخياس إلى ديلفي لاستشارة النبوءة وسألوا أذا كانوا يفضلون الصحة أم الثروة فاختار (ارخياس) الثروة و(موسيكلليوس) الصحة فأسس و(أرخياس) (سيراكوزا) وأسس (موسيكلليوس) (كورتون) في إيطاليا واستقر بها، ويذكر أنه أثناء الرحلة وصل (أرخياس) إلى جزيرة (كوركيرا) (كورفو حالياً) وترك بها جزءا من رجاله الذين طردوا سكان الجزيرة الاصليين المعروفين باسم (الليبورنيين)، واسسوا مستوطنة هناك، ثم اكمل (ارخياس) بعض الدوريين الذين انفصلوا عن ميجارا واخذهم واسس (سيراكوزا).
شروط خروج حركة الاستيطان وتكوين المستوطنة:
اختيار المؤسس، واستشارة النبوءة في ديلفي, والمدينة التي تحدد الخروج لأنشاء المستوطنة مثل كورنثة, ووجود فائض من الثروة وكذلك السكان، ووجود تنظيم سياسي يكفل تنظيم الهجرة، وتوفي السفن والاسلحة، ومعرفة القادة بالأراضي التي يتم انشاء بها المستوطنة، وخروج العديد من التجار والمهرة والحرفين البحارة لمعرفتهم بطرقة الابحار وممكن معرفتهم بتلك الاراضي، واستعداد المهاجريين للقتال وطرد السكان الأصليين من المستوطنة أو استعبادهم. وأخيراً، اشعال شعلة نار مقدسة من المدينة الأم ليتم اشعال بها أول نار داخل الارض الجديدة.
مراحل حركة الاستيطان:
تنقسم إلى مرحلتين، وهما كالتالي:
أولاً: المرحلة الاولى:
عام 750 ق.م واتجهت إلى الغرب عابرة البحر الايوني حتى تصل إلى صقلية وجنوب ايطاليا وليبيا وجنوب فرنسا مؤسسة مستعمرات يونانية عرفت باسم بلاد اليونان العظمى (ماجنا جرايكاي) وهو اسم اطلقه الرومان على مستوطنات اليونانية في جنوب شبة الجزيرة الايطاليه وصقليه ومن المدن اليونانية في بلاد اليونان التي قامت بهذه المرحلة (كورنثه) و(خالكيس) و(آخايا) و(لوكاريس) و(اسبرطة) التي اسست مدينة (تارنتوم) وجزيرة (ثيرا) وتدعى سان توريني حالياً.
ثانياً: المرحلة الثانية:
عام 650 ق.م اتجهت الى الشرق عابرة ساحل تراقيا وبحر مرمرة حتى وصلت إلى اسيا الصغرى كما وصلت إلى البحر الاحمر مؤسسة مجتمعات يونانية حول الشاطئ ومن المدن اليونانية في بلاد اليونان التي قامت بهذه المرحلة (ميجارا ) و(ميليتوس) في اسيا الصغرى تعتبر هذه المرحلة مؤسسة لبعض المراكز التجارية في الشرق مثل المينا وهو مركز تجاري على نهر العاصي في جنوب سوريا كما اسست هذه الحركة مدينة نقراطيس في مصر على الساحل نهر النيل وبالتحديد فرع الكانوبي في عهد الاسرة السادسة والعشرون (الملكة بسماتسك الاولى) العصر الصاوي.
علاقة المدينة الام بالمستوطنة:
تظهر هذه العلاقات فقط في اوقات الازمات، حيث يجب أن تكون للمستوطنة نفس قانون المدينة الام والمجتمع اليوناني في المستوطنة مستقل ذاتيا وغالبية المستعمرات كانت مجتمعات زراعية قليلا منها كانت مستوطنات تجارية مثل ميناء (بروديزيوم) على الساحل الشرقي لشبة الجزيرة الايطالية وهذا دفع الى ظهور طبقة ارستقراطية جديدة شديدة الثراء مثل (جاموروي) في سيرا كوزا والتي تعني ملاك الارض وبالتالي اصبحت المستوطنة صورة مصغرة من المدينة الام من ناحية التقسيم المجتمعي والصراع الطبقي بين الارستقراطيين والعامة، ومن الامور التي يجب مراعاتها في العلاقة بين المدينة الام والمستوطنة لم تكن استغلاليه او تجارية في الاساس والدليل على ذلك كورنثة كانت مصدراً لصناعة الفخار وكانت تصدره لمستوطناتها في ايطاليا عندما سيطرت اثينا على تجارة الفخار في منتصف القرن السادس لم تتأثر علاقة كورنثة بمستوطناتها وهذا يجعلنا نقول أن علاقة المستوطنة بالمدينة الام استمرت كعلاقة صداقة قوية لأعوام طويلة بعيده عن المنازعات والصراعات التجارية.