أخر الاخبار

فيليب الثاني | فيليب المقدوني

فيليب الثاني


  فيليب الثاني أو فيليب المقدوني

يعد فيليب الثاني (359-336ق.م) المؤسس الحقيقي للإمبراطورية المقدونية.  ولد فيليب الثاني في بيللا عام 382ق.م، وهو ابن أمونتاس الثالث. وتم إرساله كرهينةٍ إلى ملك طيبة في المدة بين عامي (368-365ق.م)، وكان عمره يبلغ خمسة عشر عاماً عندما التحق بالأكاديمية العسكرية في طيبة، وتعتبر تلك الأكاديمية أفضل المدارس العسكرية في تلك الفترة ببلاد اليونان.  فتعلم فيها فنون القتال، وكان لوجوده في البلاط الطيبي أثرُ كبيرُ لإظهار الروح اليونانية بداخله، لأن طيبة كانت تدرك أن فيليب الثاني هو ملك مقدونيا المستقبلي، بسبب شخصيته، فكان يعُرف عنه بأنه فتى وسيم مهذب، كما كان يتمتع بالذكاء والطموح الكبير، الذي جعله قائداً عسكرياً حقيقياً. فكان يدرك أن القتال ليس غاية بل وسيلة لتحقيق النفوذ والسلطة السياسية، لذلك أرادت طيبة أن تجعل منه حليفاً لها ضد المدن اليونانية. 

وبوفاة برديكاس الثالث، وإعلان فيليب الثاني وصياً على العرش، دخلت مقدونيا فترة صراع جديد للمطالبة بالعرش. تمثلت في عودة باوسانياس للمطالبة بالعرش مرة أخرى، وكذلك مطالبة ثلاثة إخوة غير أشقاء لفيليب الثاني بالعرش. لذلك قام فيليب الثاني بإعلان نفسه ملكاً على مقدونيا، وتخلص من المطالبين للعرش، فقام بقتل أخيه أرخيلاؤس غير الشقيق المُطالب بالعرش، فأدى ذلك إلى فرار إخوته الباقين وكذلك باوسانياس.  وبعدها بدأ فيليب الثاني يعيد الاستقرار والأمن لمقدونيا من أجل تحقيق هدفه في إقامة مملكة كبرى. 


 السياسة الداخلية للملك فيليب المقدوني

       كان فيليب الثاني محباً للثقافة اليونانية لذلك أراد أن يحول مقدونيا إلى دولة متحضرة مثل أثينا. وبدأ بتنظيم السياسة الداخلية منذ اللحظة الأولى لاعتلائه للعرش. فجمع أمراء البيت المالك ووزع عليهم المناصب والأموال لذلك تقربوا منه. وسمح للفلاحين الأحرار الانخراط في سلك الجنود المشاة، فأدى إلى شعور المقدونيين بأنهم أمة واحدة لها زعيم واحد. وبهذا أصبح ولاء الشعب المقدوني للملك وأسرته فقط.  كما قام الملك المقدوني بجمع كبار قادة القبائل البربرية من الإلليريين والتراقيين وإلحاقهم بالعسكرية، فأصبح هؤلاء القواد نواة الفرسان في الجيش المقدوني. وبهذا أصبحت تلك القبائل متأغرقة، وأطلق عليهم اسم الرفاق، وأصبحوا يلعبون دوراً مهماً في الجيش بالرغم من عَدِدهم المحدود الذي يتراوح ما بين خمسمائة إلى ستمائة فارس. 

بدأ فيليب الثاني في إعادة تنظيم الجيش المقدوني فقسمه إلى قسمين:

القسم الأول: فيلق المشاة ((Phalanx، ويتكون من ستة إلى عشرة صفوف. وبذلك يكون الفيلق المقدوني على غرار الفيلق الطيبي. بالإضافة إلى وضعِهِ فرق الرماة في مؤخرة الفيلق من أجل حمايته. أما أسلحة الفيلق فكانت على الطراز الأثيني.  

القسم الثاني: فرقة الفرسان، وقسمها إلى ميمنة وميسرة، يحدها المشاة من كل جانب لحمايتها، وبهذا تكون فرقة الفرسان هي قلب الجيش المقدوني.  كما قام الملك فيليب الثاني بتسريح الجنود المرتزقة اليونانيين، وأحل محلهم القبائل المقدونية. ومن هنا كون الملك فيليب الثاني جيشاً قوياً يبلغ عدده عشرة آلاف مقاتل، استخدمه في السيطرة على بلاد اليونان. وبهذا حقق الملك فيليب المقدوني القيادة العسكرية والزعامة الشعبية لأن الجيش المقدوني أصبح مكوناً من الشعب المقدوني. وبهذا الجيش بدأ الملك المقدوني بتحقيق حلمه بتكوين مملكة كبرى. وكان أول اختبار للجيش المقدوني هو إخماد تمرد القبائل اللينكستية التي قام الملك فيليب بإبادتها. 

مقدونيا وبلاد اليونان في عصر فيليب المقدوني:

بعد قضاء الملك فيليب الثاني على الفتن الداخلية. شرع في تحقيق حلمه بالتقرب من كهنة أبوللو ((Apollo في دلفي ((Delphi، ليأخذ لمقدونيا مقدعاً في عصبتها الدينية المعروفة باسم الحلف الأمفكتيوني(Amphictyony) .  فقام برشوة قادة اليونان أعضاء الحلف من أجل استمالة المدن اليونانية بجواره. وبدأت تظهر قوة مقدونيا عندما قام الملك فيليب الثاني بالاستيلاء على مدينة أمفيبوليس ((Amphipolis المستوطنة الأثينية عام 357ق.م، مستغلاً فرصة انشغال أثينا بصراعاتها السياسية الداخلية.  بالإضافة إلى سيطرته على مناجم الذهب في جبل بنجايوس (Pangaeus)، وإنشاء مدينة محصنة تسمى فيليبيه (Philippea) في السهل الواقع غرب مدينة أمفيبوليس، وجعلها مركزاً لإنتاج الذهب وسك العملة. 


 بدأ فيليب الثاني في تطبيق ظاهرة الزواج السياسي من أجل توطيد العلاقات والسيطرة على المدن اليونانية، فتزوج من أوليمبياس Olympias)) ابنة ملك إيبروس في العام الذي اعتلى فيه العرش. وقد تعرف عليها أثناء وجوده في تراقيا للمشاركة في الاحتفالات الدينية. وشاهدها وهى تمارس رقصات على ضوء القمر تشاركها فيها الحيات المقدسة.  تعتبر أوليمبياس الزوجة الخامسة لفيليب، حيث تزوج فيليب الثاني سبع زوجات.  وعندما حملت أوليمبياس بابنها الإسكندر قالت أن زيوس (Zeus) هو الأب الحقيقي لابنها، وأنه أنزل صاعقة أشعلت النيران بجسدها، فتنبأ المنجمون بأن المولود سوف يكون بطلاً.  ولقد كره فيليب المقدوني سلوك زوجته، بسبب ملازمتها للحيات، وادعاءها بأن زيوس هو والد طفلها.  

 فيليب المقدوني وتوحيد اليونان ضد الفرس: 


أراد فيليب المقدوني التدخل في شئون اليونان مرة أخرى، خاصة بعد فشله من السيطرة على مدينتي بيرنثوس وبيزنطة. وجاءت الظروف مواتيه له بظهور موقف أثينا من مدينة أمفيسا ((Amphissa  التي انشقت عن المجمع الأمفكتيوني، بسبب طلب أهالي المدينة تعديل حدودها مع دلفى، ورفضت دلفى هذا الطلب، لذلك انشقت المدينة عن المجمع. وطلب المجمع من أثينا المساعدة لإخضاعها ولكنها رفضت. ولم يجد المجمع سوى فيليب ليُطلَب منه السيطرة على المدينة, فوافق فيليب ليحقق هدفه.   
في عام 339ق.م وصل الجيش المقدوني المكون من ثلاثين ألفاً من المشاة وألفين من الفرسان إلى فوكيس، وأسسوا بها قاعدة عسكرية، وشارك الإسكندر والده في تلك المعركة. وطلب فيليب الثاني من مدينة طيبة أن تقف على الحياد، ولكنها رفضت وعقدت تحالفاً مع أثينا ضد مقدونيا. وينص تحالفهما على، تحمل أثينا ثلث نفقات الحرب، وتكون قيادة التحالف لطيبة، واعتراف أثينا بسيادة طيبة على إقليم بيوتيا، وتنازلها عن حقها في المطالبة بمدينة أوروبوس (Oropus) التي تقع في إقليم إلاتيا (Elateia) الخاضع لطيبة.  من الجدير بالذكر إن معظم بلاد اليونان وقفت على الحياد وعلى رأسهم إسبرطة وأركاديا (Arcadia). ولكن أصبح الصدام حتمي الوقوع، بسبب تحالف طيبة مع أمفيسا ضد مقدونيا.  لذلك بدأ فيليب الاستعداد للحرب، فعقد معاهدة مع الفرس.  

وفي عام 338ق.م تحرك جيش التحالف لمواجهة مقدونيا، وبدأت تنضم إليهم المدن اليونانية مثل كورنثة Corinth)) وميجارا Megara)) وبيزنطة.  فبدأ التحالف بالهجوم على كهنة دلفي لأنهم أعطوا الفرصة لفيليب الثاني للتدخل في شئون بلاد اليونان، مما عرض حرية اليونان للخطر.  كما سيطرة قوات التحالف بقيادة القائد الأثينى خاريس (Chares) على المنطقة الواقعة بين بيوتيا وفوكيس، بهدف قطع الطريق على الجيش المقدوني ومنع وصول أي إمدادات له من مقدونيا.  ومن ناحية أخرى تحركت القوات المقدونية بقيادة فيليب وابنه الإسكندر إلى أمفيسا، فوجد فيليب أن أثينا دفعت بعشرة آلاف جندي مرتزقة لحماية المدينة.  لهذا لجأ إلى الخديعة فأرسل رسالة إلى القائد أنتيباتروس (Antipaterus) في مقدونيا يخبره بعودته إلى مقدونيا من أجل القضاء على الاضطرابات الداخلية. وأراد فيليب أن يدرك اليونانيون أمر انسحابه، وبالفعل نجحت خطته، وبدأ تحالف اليونانيين في الاسترخاء، فهجمت القوات المقدونية على أمفيسا واستولوا عليها، وفرح كهنة دلفي بهذا النصر.  انسحبت قوات التحالف إلى سهل خايرونيه (Chaeronea) بالقرب من طيبِة، ومن ورائهم فيليب الثاني وقواته. وعندما وصل وجد جيوش التحالف مقسمة إلى ثلاثة أقسام القسم الأول الميسرة تحت قيادة أثينا، والثاني الوسط تحت قيادة الجنود المرتزقة من الدويلات اليونانية، والثالث الميمنة تحت قيادة طيبة.  أما القوات المقدونية فكانت مقسمة إلى قسمين القسم الأول الميمنة تحت قيادة الملك فيليب، والقسم الثاني هو الميسرة تحت قيادة الإسكندر. 

مقتل فيليب الثاني والآراء المختلفه حول مقتله

وتختلف الآراء حول مقتل الملك فيليب المقدوني، فالرأي الأول يدين زوجته أوليمبياس بقتله انتقاما لكرامتها التي أهدرها زوجها، بسبب علاقاته النسائية وزيجاته المتكررة، خوفاً من أن يحرم ذلك ابنها من العرش، مثلما فعلت ودبرت مقتل عروس فيليب وولدها الرضيع.  ولكن هذا مستبعد خاصة بعد إرسال الملك فيليب لابنه ليعد إلى مقدونيا ويؤكد خلافته للعرش من بعده. 

 والرأي الثاني الذي يُتهم فيه الإسكندر بقتل والده، فقبل وفاة فيليب الثاني بقليل توترت العلاقة وازداد الخلاف بينه وبين الإسكندر بسبب زيجاته المتكررة وسوء معاملته لوالدته أوليمبياس، ولشدة الخلاف تطاول الإسكندر على والده ورفع السلاح عليه، ولكن هذا الرأي مستبعد أيضاً حيث كان من السهل على الإسكندر قتل والده وسط الأبواب المغلقة دون أن يدركه أحد.

 والرأي الثالث أن فيليب قُتِل على يد ابن أخيه أمونتاس بن برديكاس الثالث، حيث قام فيليب بتزويجه من أبنته كينانى (Cynanne)، وقربه منه ليكون خليفةً له في حاله وفاة الأسكندر أو رفضِه كملك، ولكن كان على أمونتاس أن يقتل الإسكندر المنافس الحقيقي له. 
 أما الرأي الأخير فهو أن الملك الفارسي داريوس الثالث (Dareius III) زج بأحد القادة ليقتله عندما علم بأن الملك فيليب يعد حملة يونانية كبرى للانتقام من الإمبراطورية الفارسية، وكاد يكون هذا الرأي هو الأقرب لصحة لما عرف عن الفرس باغتيالات الملوك، مثلما فعل الوزير باجوس (Bagoas) باغتيال الملك أرتاكسركيس الثالث (Artaxerxes III) وأرتاكسركيس الرابع (IV Artaxerxes) قبل اعتلاء داريوس الثالث العرش الفارسي. 


توفي الملك فيليب الثاني عن عمر يناهز ستة وأربعين عاماً.  ويعتبر فيليب من أعظم رجال السياسة في عصره، بسبب توحيده لبلاد اليونان تحت زعامته، ووضعه أساس الإمبراطورية المقدونية، عن طريق استخدامه إلى الدبلوماسية الخاصة به،  والمتمثلة في استخدامه لدهاء والمكر السياسي الذي كان يتميز به. واستخدامه أيضاً لسلاح الرشوة لساسة اليونانيين. هذا بالإضافة إلى استخدمه لسياسة المهادنة مع بعض الدويلات اليونانية في الوقت نفسه يهاجم دويلات أخرى. وتوفى الملك فيليب بعد أن حكم بلاد اليونان أربعة وعشرين عاماً.  وينتهي عصر الملك فيليب بعد كفاح طويل ومعارك كبرى، خرج منها فاقداً لإحدى عينيه وشلت إحدى ذراعيه وأصيب في ساقه، وأدمن شرب الخمر، وبهذا أصبح غير مؤهل لقيادة حملة كبرى ضد الإمبراطورية الفارسية.  وبمقتل الملك فيليب ينتهي عصر قديم ويبدأ عصر جديد لليونان خاصة والعالم القديم عامة وهو العصر الهللينيستى.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-